الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والجانب : هو الشق . وجعل البر جانبا لإرادة الشق الذي ينجيهم إليه ، وهو الشاطئ الذي يرسون عليه ، إشارة إلى إمكان حصول الخوف لهم بمجرد حلولهم بالبر بحيث يخسف بهم ذلك الشاطئ ، أي أن البر والبحر في قدرة اللّه تعالى سيان ، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من اللّه في البر والبحر . وإضافة الجانب إلى البر إضافة بيانية . والباء في يَخْسِفَ بِكُمْ لتعدية يَخْسِفَ بمعنى المصاحبة . والحاصب : الرامي بالحصباء ، وهي الحجارة . يقال : حصبه ، وهو هنا صفة ، أي يرسل عليكم عارضا حاصبا ، تشبيها له بالذي يرمي الحصباء ، أي مطر حجارة ، أي برد يشبه الحجارة ، وقيل : الحاصب هنا بمعنى ذي الحصباء ، فصوغ اسم فاعل له من باب فاعل الذي هو بمعنى النسب مثل لابن وتأمر . والوكيل : الموكل إليه القيام بمهم موكله ، والمدافع عن حق موكله ، أي لا تجدوا لأنفسكم من يجادلنا عنكم أو يطالبنا بما ألحقناه بكم من الخسف أو الإهلاك بالحاصب ، أي لا تجدوا من قومكم وأوليائكم من يثأر لكم كشأن من يلحقه ضر في قومه أن يدافع عنه ويطالب بدمه أولياؤه وعصابته . وهذا المعنى مناسب لما يقع في البر من الحدثان . و ( أم ) عاطفة الاستفهام ، وهي للإضراب الانتقالي ، أي بل أأمنتم ، فالاستفهام مقدر مع ( أم ) لأنها خاصة به ، أي أو هل كنتم آمنين من العود إلى ركوب البحر مرة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح . والتارة : المرة المتكررة ، قيل عينه همزة ثم خففت لكثرة الاستعمال . وقيل : هي واو . والأول أظهر لوجوده مهموزا وهم لا يهمزون حرف العلة في اللغة الفصحى ، وأما تخفيف المهموز فكثير مثل : فأس وفاس ، وكأس وكأس . ومعنى أَنْ يُعِيدَكُمْ أن يوجد فيكم الدواعي إلى العود تهيئة لإغراقكم وإرادة للانتقام منكم ، كما يدل عليه السياق وتفريع فَيُرْسِلَ عليه . والقاصف : التي تقصف ، أي تكسر . وأصل القصف : الكسر . وغلب وصف الريح به . فعومل معاملة الصفات المختصة بالمؤنث فلم يلحقوه علامة التأنيث ، مثل عاصِفٌ في قوله : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ في سورة يونس [ 22 ] . والمعنى : فيرسل عليكم ريحا قاصفا ، أي تقصف الفلك ، أي تعطبه بحيث يغرق ، ولذلك قال : فَيُغْرِقَكُمْ . قرأ الجمهور مِنَ الرِّيحِ بالإفراد . وقرأ أبو جعفر من الرياح بصيغة الجمع .